صديق الحسيني القنوجي البخاري

578

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَتَبَّ أي هلك ، قال الفراء : الأول دعاء عليه ، والثاني خبر كما تقول أهلكه اللّه وقد هلك ، والمعنى أنه قد وقع ما دعى به عليه ، وتدل عليه قراءة ابن مسعود ( وقد تب ) وقيل كلاهما إخبار أراد بالأول هلاك عمله وبالثاني هلاك نفسه ، وقيل كلاهما دعاء عليه ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص ، وإن كان حقيقة اليدين غير مرادة . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال : « لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشعراء : 214 ] خرج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذبا قال فأني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب تبا لك إنما جمعتنا لهذا ، ثم قام فنزلت هذه السورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ « 1 » . ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ أي ما دفع عنه ما حل به من التباب وما نزل به من عذاب اللّه ما جمع من المال ولا ما كسب من الأرباح والجاه ، أو المراد بقوله : مالُهُ ما ورثه من أبيه وَما كَسَبَ الذي كسبه بنفسه . قال مجاهد : وما كسب من ولد وولد الرجل من كسبه ، ويجوز أن تكون ( ما ) في قوله ما أغنى استفهامية أي أيّ شيء أغنى عنه وكذا في قوله وَما كَسَبَ أي وأيّ شيء كسب أو مصدرية أي وكسبه . والظاهر أن ( ما ) الأولى نافية والثانية موصولة . عن عائشة قالت : « إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ابنه من كسبه ثم قرأت ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ قالت وما كسب ولده » أخرجه ابن أبي حاتم ، وعن ابن عباس قال كسبه ولده أي عتيبة بالتصغير وأما عتبة فقد أسلم ، وفسر الكسب بالولد ليغاير ما قبله فيسلم من التكرار . ومات أبو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال ، قال الشهاب العدسة قرحة تعتري الانسان كانت العرب تهرب منها لأنها بزعمهم تعدي أشد العدوي . ثم أوعده اللّه سبحانه بالنار فقال : سَيَصْلى ناراً قرأ الجمهور بفتح اللام وإسكان الصاد وتخفيف اللام أي سيصلى هو بنفسه النار ويحترق به ، وصلى من باب تعب ، وقرىء بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام والمعنى سيصليه اللّه . ومعنى ذاتَ لَهَبٍ ذات اشتعال وتوقد وهي نار جهنم وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 111 ، باب 1 ، 2 ، ومسلم في الإيمان حديث 353 ، 355 ، 356 .